الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

211

تفسير روح البيان

النعم وكيفما قدر وعلى أي شئ نزل فالواسع المطلق هو اللّه تعالى لأنه ان نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته وان نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وان عظمت فتنتهى إلى طرف والذي لا يتناهى إلى طرف فهو أحق باسم السعة واللّه تعالى هو الواسع المطلق لان كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهى إلى طرف فالزيادة عليها متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة وسعة العبد في معارفه وأخلاقه فان كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وان اتسعت أخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسود وغلبة الحرص وسائر الصفات المذمومة فهو واسع وكل ذلك فهو إلى نهاية وانما الواسع المطلق هو اللّه تعالى : قال في المثنوى اى سگ گرگين زشت از حرص وجوش * پوستين شير را بر خود مپوش غرهء شيرت بخواهد امتحان * نقش شير وانكه اخلاق سگان عَلِيمٌ بمصالحهم وأعمالهم كلها وهذا لا يخلو عن إفادة التهديد ليكون المصلى على حذر من التفريط والتساهل كما أنه يتضمن الوعد بتوفية ثواب المصلين في جميع الأماكن فقد ظهر ان هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ الآية وان المعنى ان بلاد اللّه أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد اللّه ان تولوا وجوهكم نحو قبلة اللّه أينما كنتم من ارضه * وقال مجاهد والحسن لما نزل وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا اين ندعوه فأنزل اللّه وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ بلا جهة وتحيز * ان قيل ما معنى رفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء مع أنه تعالى منزه عن الجهة والمكان * قلنا إن الأنبياء والأولياء قاطبة فعلوا كذلك لا بمعنى ان اللّه في مكان بل بمعنى ان خزائنه تعالى في السماء كما قال تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ وقال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالعرش مظهر لاستواء الصفة الرحمانية فرفع الأيدي إذا إلى السماء والنظر إليها وقت الدعاء بمنزلة ان يشير سائل إلى الخزينة السلطانية ثم يطلب من السلطان ان يعطى له عطاء من تلك الخزينة - يروى - ان امام الحرمين رفع اللّه درجته في الدارين نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والأكابر فقام واحد من أهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه تعالى عن المكان وهو قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال الدليل عليه قول يونس عليه السلام في بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام هاهنا فقير مديون بألف درهم أد عنه دينه حتى أبينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما ذهب في المعراج إلى ما شاء اللّه من العلى قال ( لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات في قعر البحر ببطن الحوت قال ( لا إله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين ) فكل منهما خاطبه بقوله أنت وهو خطاب الحضور فلو كان هو في مكان لما صح ذلك فدل ذلك على أنه ليس في مكان وفي الحديث ( لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه رأى في بطن الحوت ما رأيته في أعلى العرش ) يشير عليه السلام بذلك إلى ما وقع له وليونس عليه السلام من تجلى الذات وقيل نزلت